الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

336

شرح ديوان ابن الفارض

حبيبه ما يروم ، فتلك قاعدة للخليل الجليل فكيف لا يسلك طريقه الصّبّ العليل ، وهيهات أن يبرد بذلك منه الغليل ، والأفلاكا في آخر البيت مفعول راقب ، أي قلب طرفه وراقب الأفلاك . ومعنى الأبيات لمّا شابه وجهك الجميل بدر التمام ، وشاهده في اليقظة لا في المنام ، ظهرت في البدر وهو سواك ، ولكني ما شاهدت إلا إياك فلذلك قرّت بك عيني وانجلى بنورك ديني ، وما أنا بدعا في مراقبة الأفلاك طلبا لمقاربة رؤياك ، فالخليل النبي إبراهيم والسيد المقدس الكريم راقب النجوم طالبا البحث عن الرب المعلوم الذي مضت بوجوب قدمه القرائح والفهوم . واعلم أن ما صدر من الخليل عليه الصلاة والسلام في قوله : هذا رَبِّي [ الأنعام : الآية 76 ] إما أن يكون بناء على رأي الخصم ليكرّ عليه بالرّدّ بعد أن يعترف به من باب التنزّل ، وإما أن يكون في مبدأ بلوغه وبحثه عن أمور الربوبية والشريعة . وفي البيت الأول الجناس اللاحق بين طيف وطرف ، وفي البيت الثاني جناس الاشتقاق بين تراءت ورأيت ، وفي الثالث مع التلميح جناس القلب في قلب قبلي ، والتلميح بتقديم اللام للإشارة إلى قرآن أو حديث أو مثل أو قصة أو شعر أو ما أشبه ذلك . وأشهر الشواهد عليه قول أبي تمام حبيب بن أوس : فو اللّه ما أدري أأحلام نائم * ألمّت بنا أم كان في الركب يوشع وهو من محاسن أنواع البديع . ( ن ) : قوله بدر التمام كناية عن الإنسان الكامل الظاهر عليه له نور الوجود الحق . وطيف المحيا كناية عن ظهور وجه الحق تعالى بصورة الشيء الفاني الهالك ، كما قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] وقوله بيقظتي لأن جنته عنده هي الكاشفة له عن رؤية خيال وجه المحبوب ما لا يكشفه المنام من نفوذ بصيرته في أسرار الغيوب وأنوار وجه المحبوب . وقوله حكاكا : كاف الخطاب للمحبوب الحقيقي وكون بدر التمام يحكي طيف وجهه من جهة أن نور شمس الوجود ظاهر في قمر صور الأعيان الكونية لا من جهة الكيف والكيفية . وقوله فتراءيت في سواك : أي ظهرت لأراك في صورة كونية هي سواك ، أي غيرك ، لأنك مطلق وهي مقيدة ، وأنت قديم وهي حادثة ، لكنها فعلك وأثر أسمائك وصفاتك ، فمن رآها فقد رآك على التنزيه عنها . وقوله وما رأيت سواك : أي ذلك السّوي الذي تراءيت فيه لأنه غاب في ظهور نور وجودك واضمحل في تجلّي سرّ شهودك . وقوله وكذاك : أي مثل ما ذكرت . وقوله الخليل : هو إبراهيم ، أي وقع لي في المظاهر الكونية نظير ما وقع له في الكواكب الفلكية قبلي ، أي في زمان احتجاجه على قومه